محمد بن جرير الطبري

24

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بين أصحابه ، ثم رجعت فارس ولم يكن قتال ، ونصرت عليهم بنو إسرائيل ، فهذا وعد الأولى . حدثني الحرث ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ جند جاءهم من فارس يتجسسون أخبارهم ، ثم ذكر نحوه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ قال : ذلك أي من جاءهم من فارس ، ثم ذكر نحوه . القول في تأويل قوله تعالى ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ يقول تعالى ذكره : ثم أدلناكم يا بني إسرائيل على هؤلاء القوم الذين وصفهم جل ثناؤه أنه يبعثهم عليهم ، وكانت تلك الإدالة والكرة لهم عليهم ، فيما ذكر السدي في خبره أن بني إسرائيل غزوهم ، وأصابوا منهم ، واستنقذوا ما في أيديهم منهم . وفي قول آخرين : إطلاق الملك الذي غزاهم ما في يديه من أسراهم ، ورد ما كان أصاب من أموالهم عليهم من غير قتال . وفي قول ابن عباس الذي رواه عطية عنه هي إدالة الله إياهم من عدوهم جالوت حتى قتلوه ، وقد ذكرنا كل ذلك بأسانيده فيما مضى وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ يقول : وزدنا فيما أعطيناكم من الأموال والبنين . وقوله : وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً يقول : وصيرناكم أكثر عدد نافر منهم وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً أي عددا ، وذلك في زمن داود . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً يقول : عددا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ لبني إسرائيل ، بعد أن كانت الهزيمة ، وانصرف الآخرون عنهم وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً قال : جعلناكم بعد هذا أكثر عددا . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور عن معمر ، عن قتادة ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ ثم رددت الكرة لبني إسرائيل . حدثني محمد بن سنان القزاز ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن سفيان ، في قوله : وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ قال : أربعة آلاف . القول في تأويل قوله تعالى إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا يقول تعالى ذكره لبني إسرائيل فيما قضى إليهم في التوراة : إِنْ أَحْسَنْتُمْ يا بني إسرائيل ، فأطعتم الله وأصلحتم أمركم ، ولزمتم أمره ونهيه أَحْسَنْتُمْ وفعلتم ما فعلتم من ذلك لِأَنْفُسِكُمْ لأنكم إنما تنفعون بفعلتكم ما تفعلون من ذلك أنفسكم في الدنيا والآخرة . أما في الدنيا فإن الله يدفع عنكم من بغاكم سوءا ، وينمي لكم أموالكم ، ويزيدكم إلى قوتكم قوة . وأما في الآخرة فإن الله تعالى يثيبكم به جنانه وَإِنْ أَسَأْتُمْ يقول : وإن عصيتم الله وركبتم ما نهاكم عنه حينئذ ، فإلى أنفسكم تسيئون ، لأنكم تسخطون بذلك على أنفسكم ربكم ، فيسلط عليكم في الدنيا عدوكم ، ويمكن منكم من بغاكم سوءا ، ويخلدكم في الآخرة في العذاب المهين . وقال جل ثناؤه وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها والمعنى : فإليها كما قال بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها والمعنى : أوحى إليها . وقوله : فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ يقول : فإذا جاء وعد المرة الآخرة من مرتي إفسادكم يا بني إسرائيل في الأرض لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ يقول : ليسوء مجيء ذلك الوعد للمرة الآخرة وجوهكم فيقبحها . وقد اختلف القراء في قراءة قوله لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة والبصرة لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ بمعنى : ليسوء العباد أولو البأس الشديد الذين يبعثهم الله عليكم وجوهكم ، واستشهد قارئو ذلك لصحة قراءتهم كذلك